محمد محمد أبو ليلة

151

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

وهذا يدل على حيطة عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت الشديدتين بالقرآن حيث كانا لا يكتفيان بمجرد وجود الآية مكتوبة ، حتى يشهد عليها من تلقاها سماعا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا ينبغي أن ننسى أن زيدا كان يحفظ القرآن كله ؛ ولهذا السبب تم اختياره للقيام بجمع القرآن . قال السخاوي في جمال القراء في طبيعة هذا الإشهاد : " يشهدان أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو أنه من الوجوه التي نزل بها القرآن " . وقال أبو شامة ( ت : 695 ) : " إن غرضهم أن لا يكتبوا إلا من عين ما كتب بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم لا من مجرد الحفظ " . قال : " ولذلك قال زيد في آخر سورة التوبة ، لم أجدها مع غيره ، بمعنى أنه لم يجدها مكتوبة مع غيره ، لأنه كان لا يكتفى بالحفظ دون الكتابة " . وإلّا لاستطاع زيد رضي اللّه عنه وحده أن يمليه كله من حفظه ؛ ومعنى هذا الكلام أن الشهادة كانت تكلّف لإثبات أن هذه الآية أو تلك كانت مما كتب في حضرة النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ وهذا يعنى من جانب آخر أن الصحابة كانوا يجمعون على أن القرآن قد كتب كله بين يديه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنهم اجتهدوا غاية الاجتهاد في ألا ينال القرآن تحريف ؛ ويعتبر حديث جمع أبى بكر للقرآن لأول مرة هو الأصل في الباب ، الذي ينبغي أن ترد إليه جميع الأقوال ، وتصحح عليه كل الروايات . أخرج ابن أبي أشتة في " المصاحف " عن الليث بن سعد ، قال : " أول من جمع القرآن أبو بكر ، وكتبه زيد ، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت ، فكان لا يكتب آية إلا بشاهدى عدل . . . " الحديث . وقد مرّ بنا قول الحارث المحاسبي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يأمر بكتابة القرآن أولا بأول وأنه كان يستوثق بنفسه من سلامة نقل كتّاب الوحي ؛ وأن القرآن كان مكتوبا في الرقاع والأكتاف والعسب ؛ وأن أبا بكر هو الذي أمر بنسخه من هذه المواد المتفرقة إلى الصحف فصار مجموعا . وفي موطأ ابن وهب عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد اللّه ، عن عمر قال : جمع أبو بكر القرآن في قراطيس وكان سأل زيد بن ثابت في ذلك فأبى حتى استعان بعمر ففعل « 1 » .

--> ( 1 ) السيوطي . الإتقان . ص 168 ، والزركشي . البرهان 1 / 233 - 240 .